اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

298

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

ولكن هذا لا يعنى أن الحج كان يمثل دائما المكانة الأولى فيها ، وهو ما رأينا مثاله من قبل في « سفرنامه » . والرحلات تمثل بالأحرى انطباعات من « سنوات التجوال » للعلماء الشبان الذين كان هدفهم قبل كل شئ التعريف بأساتذتهم وبالعلماء الذين التقوا بهم ، متجاهلين تسجيل جوانب الحياة الأخرى . ويكون وصف الرحلة أحيانا قصة ممتازة يسجل فيها صاحبها كل ما رآه أو ما هو جدير بالاهتمام ، وكثيرا ما تبلغ مستوى عاليا من الفن والصياغة الأدبية . ولعل أكثر الآثار قيمة دون منازع في هذا المجال رحلة ابن جبير ولكنها ليست الأولى من الناحية الزمنية في هذا الضرب من الأدب . فأول من وضع الأساس لهذا الفن حسب علمنا ، وكان ذلك قبل نصف قرن من ابن جبير ، هو الفقيه أبو بكر محمد بن العربي ( 468 ه - 543 ه - 1076 - 1148 ) 217 وأصله من إشبيلية ولكن لم يلبث أن غادرها إلى المشرق 218 بعد زوال دولة آل عباد التي شغل أبوه فيها مركزا مرموقا ، وكان هدفه الدراسة ، ولم يتجاوز عمره إذ ذاك السادسة عشرة بعد ( 485 ه - 1092 ) . وفي الشام تتلمذ على واحد من مواطنيه ممن أقاموا هناك وهو أبو بكر الطرطوشى 219 صاحب كتاب « سراج الملوك » المعروف . وفي بغداد استمع إلى دروس الغزالي 220 وأصبح تلميذا للغوى النابه التبريزي 221 الذي كان يدرس آنذاك بالنظامية وهي نفس المدرسة التي كان يدرس بها الغزالي . ومن بغداد أدى فريضة الحج بطريق الصحراء عام 489 ه - 1096 ثم رجع إلى بغداد ليقيم بها بعض الوقت ، وغادرها إلى مصر فدرس بالقاهرة والإسكندرية على علماء المدينتين . وتوفى أبوه بالإسكندرية عام 493 ه - 1099 ولعل هذا ما دفعه إلى الرجوع إلى وطنه وذلك بعد تجوال دام ثمانية أعوام . وسرعان ما ذاع صيته كقاض وفقيه من أكبر فقهاء المالكية بالأندلس ، وتوفى أثناء - - رحلة اضطر إلى القيام بها إلى مدينة فاس . وقد خلف لنا عدة مصنفات فقهية 222 ، ولم يكن الشعر غريبا عليه فقد حفظ لنا المقرى عددا من قصائده 223 ، أما وصف رحلته فمفقود ، وكان يحمل عنوان « الرحلة » أو « ترتيب الرحلة » 224 ، وقد نقل عنه ابن خلدون 225 والمقرى 226 . وينقل عنه الأخير وصفا شيقا لغرق سفينتهم عند سواحل أفريقيا ولكن يرجع إلى مصنف آخر له يحمل عنوان « قانون التأويل » ، وهو أمر غير واضح لنا تمام الوضوح . ويبدو من الأسلوب ميل ملحوظ إلى الصنعة 227 ؛ وفي موضع آخر يذكر لنا المقرى ولع ابن العربي بصنوف الغرائب 228 ويورد أخبارا عديدة عن مقابلاته مع بعض العلماء والأدباء 229 . وابن العربي يقدم لنا مادة ضخمة في مجال الحضارة الثقافية والاجتماعية لذلك العصر . وقد رفع هذا الضرب من الصياغة الأدبية إلى درجة عالية كما ذكرنا من قبل ابن جبير . ولا غرابة في هذا إذ ينتمى هو وأبوه إلى طبقة الكتاب والأدباء من رجال الدواوين المثقفين ، وهم تلك المجموعة التي لعبت بوجه عام دورا كبيرا في تطوير الأدب العربي . ويرتفع نسب محمد بن أحمد بن جبير الكناني إلى